عثمان بن جني ( ابن جني )

476

الخصائص

وقال الأصمعىّ : إذا استوت أخلاق القوم قيل : هم على سرجوجة واحدة ، ومرن واحد ، ( ومنهم من يقول : سرجيجة وهي فعليلة من هذا ) ، فسرجوجة : فعلولة ، من لفظ السرج ومعناه . والتقاؤهما أن السرج إنما أريد للراكب ليعدّله ، ويزيل اعتلاله وميله . فهو من تقويم الأمر . وكذلك إذا استبوا على ووتيرة واحدة فقد تشابهت أحوالهم ، وزاح خلافهم ، وهذا أيضا ضرب من التقرير والتقدير ؛ فهو بالمعنى عائد إلى النحيتة ، والسجيّة ، والخليقة ؛ لأن هذه كلّها صفات تؤذن بالمشابهة والمقاربة . والمرن مصدر كالحلف والكذب . والفعل منه مرن على الشئ إذا ألفه ، فلان له . وهو عندي من مارن الأنف لما لان منه . فهو أيضا عائد إلى أصل الباب ؛ ألا ترى أن الخليقة ، والنحيتة ، والطبيعة ، والسجيّة ، وجميع هذه المعاني التي تقدّمت ، تؤذن بالإلف والملاينة ، والإصحاب والمتابعة . ومنها ( السليقة ) وهي من قولهم : فلان يقرأ بالسليقيّة أي بالطبيعة . وتلخيص ذلك أنها كالنحيتة . وذلك أن السليق ما تحاتّ من صغار الشجر ؛ قال : تسمع منها في السليق الأشهب * معمعة مثل الأباء الملهب " 1 " وذلك أنه إذا تحاتّ لان وزالت شدّته . والحتّ كالنحت ، وهما في غاية القرب . ومنه قول اللّه سبحانه سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ [ الأحزاب : 19 ] أي نالوا منكم . وهذا هو نفس المعنى في الشئ المنحوت المحتوت ؛ ألا تراهم يقولون : فلان كريم النّجار والنجر ؛ أي الأصل . والنجر ، والنحت ، والحتّ ، والضرب ، والدقّ ، والنحز ، والطبع ، والخلق ، والغرز ، والسلق ، كله التمرين على الشئ ، وتليين القوىّ ليصحب وينجذب . فاعجب للطف صنع الباري سبحانه في أن طبع الناس على هذا ، وأمكنهم من ترتيبه وتنزيله ، وهداهم للتواضع عليه وتقريره . ومن ذلك قولهم للقطعة من المسك : ( الصوار ) قال الأعشى :

--> ( 1 ) الرجز لجندب بن مرثد في تاج العروس ( سلق ) ، وبلا نسبة في لسان العرب ( لهب ) ، ( سلق ) ، وجمهرة اللغة ص 291 ، 850 ، ومقاييس اللغة 3 / 96 ، ومجمل اللغة 3 / 87 ، والاشتقاق ص 477 .